وكالة الضمير الاخبارية
1
ـ الأخذ بالأسباب ثم التوكل على رب الأرباب :
لذلك أيها الأخوة: عليك أن تأخذ
بالأسباب كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة وكأنها كل شيء، ما من ثغرة إلا
وقد غطاها الرسول صلى الله عليه وسلم، هيأ رجلاً يأتيه بالأخبار، وهيأ رجلاً يمحو الآثار،
وهيأ خطةً تبعد عنه الشبه، اتجه نحو
الساحل واستقر في غار ثور أياماً ثلاثة حتى يخف
الطلب عنه، وهيأ دليلاً غلب فيه الخبرة على الولاء، ولم يدع ثغرةً إلا وغطاها، أخذ
بالأسباب وكأنها كل شيء، فلما وصلوا إليه وأصبح أحدهم على بعد أمتار منه قال الصديق
رضي الله عنه لرسول صلى الله عليه وسلم: لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدمه لرآنا. الآن
لأنه أخذ بالأسباب طاعةً، وأخذ بالأسباب تعبداً، ولم يعتمد على الأسباب كما يفعل أهل
الغرب قال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟
إذاً أخذ بالأسباب وكأنها كل
شيء ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء، أنت في سيرك على طريق عن يمينه واد سحيق وعن
يساره واد سحيق، إنك إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها كشأن الغرب وقعت في الشرك، من
اعتمد على ماله ضل، من اعتمد على من حوله ذل، ومن توكل على الله لا ضل ولا ذل. ينبغي
أن تأخذ بالأسباب دون أن تعتمد عليها، ينبغي أن تعتمد على الله، وإن لم تأخذ بها وتوكلت
على الله فهذا التوكل الذي لا يريده الله، اعقل وتوكل وليس بين الأخذ بالأسباب وبين
التوكل على الله
تناقض وتضاد، بل بينهما تكامل، بشكل مبسط الابن مريض، آخذه إلى أفضل
طبيب، وأشتري له أحسن دواء، وأنفذ تعليمات الطبيب بكل دقة، وبعدئذٍ أتوجه إلى الله
وأقول: يا رب لا شافي إلا أنت، أنا أخذت بالأسباب وعليك الباقي، هذا شأن المسلم في
سفره، في تجارته، في صناعته، في زراعته، في زواجه، في علاقاته الأسرية، في أفراحه،
في أتراحه، تأخذ بالأسباب كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة وكأنها كل شيء
وتتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا الدرس الأول من دروس الهجرة، وما أحوج المسلمين
إليه في محنتهم مع أعدائهم، ما أحوجهم كيف؟ قال تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
[ سورة الأنفال: 60]
هذا هو الأخذ بالأسباب ثم التوكل
على رب الأرباب قال تعالى:
﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[ سورة الروم: 47]
أعد لهم ما تستطيع، ما هو متاح
لك، والله جل جلاله يرمم الباقي، هذا درس بليغ في تجارتنا، في صناعتنا، في زراعتنا،
في علاقتنا مع أعدائنا، في حربنا، في سلمنا، في كل أمور حياتنا، الرسول صلى الله عليه
وسلم في الهجرة كان مشرعاً، ولعل تشريعه العملي أبلغ عندنا من تشريعه النظري لعل ذلك،
التشريع العملي وقائع وقعت.
أيها الأخوة الكرام: ورد في بعض
الأحاديث الشريفة:” إن الله يلوم على العجز” أن نستسلم، أن نستسلم لواقعنا المر، ألا
نحاول إصلاح واقعنا، أن نستسلم لضعفنا، أن نستسلم لقلة حيلتنا:
(( النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ
فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ،
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى
الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ
اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))
[ أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]
أي أن تأخذ بالأسباب، لا تصح
هذه الكلمة إلا عندما تأخذ بالأسباب و لا تفلح، أما ألا تأخذ بالأسباب أي طالب لم يدرس
فلما رسب قال: حسبي الله و نعم الوكيل هذا ترتيب ربنا، هكذا شاءت مشيئة ربنا، هذا كلام
كذب، أما حينما يدرس و يأخذ بالأسباب و لا ينجح لسبب قاهر فيقول: حسبي الله و نعم الوكيل،
هذه أول درس من دروس الهجرة.

إرسال تعليق