وكالة الضمير الاخبارية
في العام 2011، تأثر الشارع اللبناني بموجة إسقاط الأنظمة العربية، فنظمت
مظاهرات وإعتصامات نادت بإسقاط النظام
اللبناني. جمع هذا الحراك بين ناشطين من أطياف
مختلفة، من أقصى اليسار إلى منظمات المجتمع المدني. وقد كانت المرة
الأولى التي تجتمع
فيها جمعيات بيئية ونسوية وحقوقية، إضافةً إلى الحزبين القومي والشيوعي وغيرهما من
الأحزاب العلمانية.
تتالت بعدها المناسبات الإحتجاجية الجامعة لهذه الأطراف، منها
"لا للتمديد"، في العام 2013، ومؤخراً الحراك الاحتجاجي
على أزمة النفايات.
غير أن هذه التحركات الأخيرة لم تكن بحجم وزخم احتجاجات "إسقاط النظام".
فهل أسس حراك "إسقاط النظام" للتحركات اللاحقة؟ وهل نشأ نوع
من الإئتلاف بين الأطراف المختلفة؟ أم أنه ساهم في
تشتيتها وخلق الشرخ بينها؟ ماذا
استفاد هؤلاء من تجربة الشارع الأضخم بعيداً عن سياسات الأحزاب الطائفية؟ للإجابة على
هذه الأسئلة، إستضافت "المدن" نقاشاً بين ناشطين ثلاثة، تواجدوا على الأرض
في معظم هذه التحركات الإحتجاجية، هم
الناشط أسعد ذبيان والناشطان اليساريان باسل صالح
وعطالله السليم.
النزول إلى الشارع
للإحتجاج والتغيير سبل عديدة، التظاهر واحد منها. إلا أن التجربة اللبنانية
ترتبط بالنزول إلى الشارع دون سواه. يقر
المتناقشون بهذا الواقع. فيفرق صالح بين نوعين
من المظاهرات. اللامركزية وهي التحركات الصغيرة المتفرقة في المناطق. أما
المركزية
فهي المظاهرات الكبرى التي تأتي في النهاية، كنتيجة للمظاهرات اللامركزية. إلا أن التحرك
في لبنان يقتصر على
المظاهرات المركزية، فتحرق المراحل وتنظم المظاهرات قبل أن تتبلور.
يعيد ذبيان ذلك إلى غياب "دور النقابات والأحزاب
الوطنية غير الطائفية، بالإضافة
إلى غياب دور الطلاب". أما السليم فيشير إلى أن ما حصل في إعتصام السبت الماضي
من سير
في الأحياء الشعبية قبل الوصول إلى الإعتصام المركزي في ساحة الشهداء
"كان خرقاً لمفهوم التظاهر الكلاسيكي الذي نمارسه
عادةً، وهذا أمر في غاية الإيجابية،
فالناس بحاجة إلى الإحتكاك المباشر من أجل أن تتفاعل معنا". على أن التعامل مع
الدعوة
إلى تظاهرة، في الراهن، بات كالتعامل مع Facebook Event، حيث يدعى الناس بشكل مباشر
عبر مواقع التواصل
الاجتماعي، وينتظر أن يكون عدد المشاركين مساوياً لعدد من وضعوا
attending على فايسبوك.
القضايا التي تمثل الخطوط العريضة للتحركات، كتمديد مجلس النواب لنفسه
أو أزمات الماء والكهرباء والنفايات، قد تجمع بين
ناشطين من فضاءات مختلفة. لكن ذلك
لا يحول دون إنقسامهم على المستوى الأيديولوجي كما في سبل مقاربتهم لهذه الأزمات.
فيظهر
الإنقسام الأساسي بين مكونين رئيسيين في هذه التحركات، هما الناشطون أصحاب التوجه اليساري،
حزبيين كانوا أم غير
حزبيين، والناشطون الليبراليون في جمعيات المجتمع المدني.
موقع النظام
علاقة مطالب هذه التحركات بالقضية الأشمل، حسب المفهوم اليساري، أي اسقاط
النظام نفسه، تضفي وضوحاً أكثر على معالم
التحرك. يشمل هذا التصور مبدأ عدم تجزئة القضايا،
من خلال ربطها دائماً بالنظام الطائفي/ الاقتصادي الحاكم. في هذا الاطار،
ينطلق صالح
من تعريف للنظام اللبناني كنظام طبقي، ليشدد على ان "منهجية عمل المجتمع المدني
خطرة، لناحية العمل على
القضايا من دون التطرق للجامع الأوحد بينها، أي النظام".
من جهته، يشير السليم إلى أن "تجزئة المطالب وابعادها عن
سياقها الأشمل، يؤدي
إلى حلول ترقيعية من دون محاولة تغيير النظام". وهو يرى ان المسار الصائب للتحركات
يبدأ بـ"تحركات
قطاعية ونقابية تحتاجها الفئات المهمشة، بالاضافة إلى حزب ثوري
يساري"، اذ ان "اليسار يصوب الموضوع نحو الراديكالية،
بسبب فشل اليمين في
تقديم الحلول الجذرية لأي أزمة".
على الجانب الآخر، لا ينكر ذبيان أن الغاية الأخيرة هي اسقاط النظام.
لكن هذا يستدعي تكتيكات أخرى بعد فشل التجارب
السابقة، مثل تظاهرات "لا للتمديد"
و"اسقاط النظام". ويضيف ان "الشعارات الكبيرة فشلت في السابق، وسببت
خلافات بين
المشاركين، بينما الأفضل الالتزام بحد أدنى من المطالب يوحد الناس ويحافظ
على أعدادهم في التحركات المقبلة". وهو يدعم
موقفه بمقارنة بين تكتيك السقف الواضح،
كما في مظاهرة جمعية "كفى"، التي نجحت بالضغط لاقرار قانون العنف الأسري
والتحركات العفوية كإقفال الطرقات وحرق النفايات.
تباين الآراء كان واضحاً خلال التحركات الاحتجاجية على أزمة النفايات.
بالاضافة الى الانتقادات التي شملت التنظيم وأشكاله،
برز الى الواجهة سقفان للتحرك.
مجموعة "طلعت ريحتكم" المدنية رفعت مطالب عديدة من بينها استقالة وزير البيئة
محمد
المشنوق، الذي اعتبرته مسؤولاً عن الأزمة، فيما تشبث الآخرون بالسقف العالي المتمثل
باسقاط النظام.
تحركات عمودية
لا يمكن إنكار أن التحركات في لبنان تأخذ شكلاً عمودياً، إذ تقوم نخبة
مثقفة من الناشطين بتنظيم التحركات والدعوة إليها. لذا،
يبقى المنظمون على درجة من
التحكم بزمام الأمور. فالسقف متفق عليه مسبقاً، كما الشعارات. هنا يظهر مفهوم
"ضبط
الشارع". فهل يتم التحكم بالشعارات التي يرفعها المتظاهرون؟ أو بسقف
المطالب التي يريدونها؟
يرى السليم أنه "حين تُحدد المطالب مسبقاً، تُضبط الشعارات بشكل
تلقائي". أما صالح فيقول "نحن على الأرض لا يمكننا أن
نتوقع ما ستؤول إليه
الأمور، وحين يتجاوز عدد المتظاهرين الآلاف لا يعود الأمر مرتبطاً بنا، وبالكاد نصبح
المحركين لهم".
وبالعودة إلى تحرك "طلعت ريحتكم" الأخير، وما تخلله
من محاولات لقمع شعارات المعتصمين غير المتطابقة مع خطاب
المجموعة، ومنعهم من إقتحام
بلدية بيروت، يقول ذبيان "كان من الخطأ قمع المتظاهرين، لكن من الخطأ أيضاً أن
يُشتم
المنظمون".
تجربة "اسقاط النظام"
يستدرج النقاش العودة إلى تجربة "اسقاط النظام" بسلبياتها وايجابياتها،
كما تعقيداتها التي أدت الى فشلها في مكان ما.
فالتظاهرة من ناحية الأعداد كانت غير
مسبوقة، على أنها لم تستطع الوصول الى نتيجة ملموسة. وبالرغم من أنها كانت البداية
الا ان نتائجها أحبطت البعض، في حين رآها البعض الآخر جزءاً من صراع طويل، وهي بالتالي
تجربة يُستفاد منها. في هذا
الاطار، يصفها صالح بأنها "إيجابية جداً، لما حملته
من دروس". وعلى النقيض، يرى ذبيان أن "اللبنانيين يمتلكون ذاكرة
قصيرة، فهم
بالتالي لا يتذكرون سوى نتائج الأمور، أي انهم لا يرون في تجربة إسقاط النظام غير فشلها".

إرسال تعليق